أبي طالب المكي
99
علم القلوب
وقال بعضهم في معنى قوله : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [ الذاريات : 50 ] « 1 » ، أي لا تشتغلوا بسياسة أنفسكم ، فإن مؤنتها عظيمة ، ولا تتفرغوا لطلب رضا الخلق ، فإن رضاهم غاية لا تدرك ، ولكن فروا إلى اللّه ليكون وليكم ، ويتولى سياستكم . قال سهل بن عبد اللّه ، رضى اللّه عنه ، في معنى الآية : ففروا مما لغيرنا إلى ما لنا ، فروا من المعصية إلى الطاعة ، وفروا من مقام الجهل إلى مقام العلم ، فروا من مجالس الغفلة إلى مجلس الذكر ، فروا من مجالسة المخلطين إلى مجالسة المخلصين ، وفروا من محبة الدنيا إلى محبة المولى ، وفروا من رؤية التدبير إلى رؤية التقدير ، وفروا من عذاب اللّه إلى رحمة اللّه ، ومن سخط اللّه إلى رضا اللّه ، فهذا ما وصل إلينا من معاني الآيات السبع « 2 » الواردة في تجريد التوحيد ، واللّه المعين ، وهو الموفق . وقال الشبلي ، رضى اللّه عنه : افتخر آدم بالخلقة ، وافتخر إبليس بالجوهرة ، وافتخر بلعام بالعلم ، وافتخر قابيل بالنسب ، وافتخر قارون بالمال ، وافتخر فرعون بالملك والأنهار ، وافتخر موسى بالذكر والتسبيح ، وافتخرت الملائكة بالجهد « 3 » والعلم ، فلم ينفعهم ذلك ، ولم تعصم إبليس جوهرته من اللعنة والطرد ، وآدم لم يعصمه تصوير اللّه إياه بيده ، ونفخ الروح فيه من المخالفة [ والمعصية ] ، وبلعام « 4 » لم يعصمه علمه بالاسم الأعظم من الطرد والبعد ، وقابيل لم تعصمه نسبته إلى أبيه آدم من الهلاك والنقمة ، وفرعون لم تعصمه مملكيته وجنده من الغرق والدمار ، وقارون لم يخلصه كنزه من الخسف حين حل به الغضب ، وكذلك الملائكة وموسى . وافتخر نبينا صلى اللّه عليه وسلم باللّه وحده ، وقال : « أنا سيد ولد آدم ، ولا فخر » ، يقول : لا فخر لي بالسيادة على الخلق ، بل فخرى بمن سيدنى « 5 » ، فقال اللّه جل ثناؤه ناصحا لهذه الأمة : احذروا أن تشتغلوا برؤية الأعمال ، والعلوم ، والأنساب ، والملك ، وصفاء الأحوال فتهلكوا ، ولكن فروا إلى اللّه وحده ، حتى يكون وليكم ، وحافظكم ،
--> ( 1 ) هذه هي الآية السادسة . ( 2 ) لم يذكر إلا ست آيات فقط ، وكان قد وعد بسبع في أول الباب ، ولم ينبه على الآية السادسة ، وقد اعتبرناها قوله تعالى : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [ الذاريات : 50 ] . ( 3 ) في الأصل : بتصوير . ( 4 ) بلعام بن باعوراء أحد علماء بني إسرائيل . ( 5 ) في الأصل : سودانى .